عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
242
طبقات شعراء المحدثين
فقالوا : يا أمير المؤمنين ، بالطائر الميمون والكوكب السعديّ والجدّ « 1 » الصاعد والأمر العالي والظفر والفوز ، ووفقت يا أمير المؤمنين ، وفّقت ولم تزل موفّقا . ثمّ لما طعموا أتي بالشراب كأنه الزعفران « 2 » ، أصفى من وصال المعشوق ، وأطيب ريحا من نسيم المحبوب ، وقام سقاة كالبدور ، بكئوس النجوم ، فطافوا عليهم وعملت الستائر بمزاهرها « 3 » فشربوا معه من صدر نهارهم إلى آخره ، في مذاكرة كقطع الرياض ، ونشيد كالدرّ المفصّل بالعقيان ، وسماع يحيي النفوس ويزيد في الأعمال . فلما كان آخر النهار دعا بعشرة آلاف دينار في صوانيّ ، فأمر فنثرت عليهم فانتهبوها ، والشراب بعد يدور عليهم بالكبير والصغير ، من الصرف والممزوج ، وليس يمنع أحد منهم ممّا يريد ولا يكره على ما يأباه ، وكان جيّد الشراب ، فصبروا معه إلى أن سكر فنام ، ونام جميع من في المجلس عند ذلك ، إلّا أبا نواس فإنه ثبت مكانه فشرب وحده ، فلما كان السحر دنا من محمد فقال : يا أمير المؤمنين . قال : لبيك يا خير الندامى . فقال أبو نواس : يا سيد العالمين أما ترى رقة هذا النسيم ، وطيب هذه الشّمال ، وبرد هذا السحر ، وصحة هذا الهواء المعتدل والجو الصافي ، وبهيج هذه الأنوار ؟ فلما سمع محمد وصفه استوى جالسا وقال : يا أبا نواس ، ما بي للشرب موضع ولا للسهر مكان ، وقد بسطتني بمنثور وصفك فنشّطني بمنظومه للشرب ، فأنشأ يقول : نبّه نديمك قد نعس * يسقيك كأسا في الغلس « 4 » صرفا كأنّ شعاعها * - في كفّ شاربها - قبس « 5 » تذر الفتى وكأنما * بلسانه منها خرس يدعى فيرفع رأسه * فإذا استقلّ به نكس
--> ( 1 ) الجدّ ( بفتح الجيم ) : الحظّ . ( 2 ) الزعفران : جنس نبات بصلي زهره أحمر إلى الصفرة يستخدم لتطييب بعض أنواع من المرق أو الحلويات . ( 3 ) المزاهر : جمع مزهر وهو العود آلة الطرب المعروفة . ( 4 ) الغلس : ظلمة اللّيل . ( 5 ) صرفا : خالصا - القبس : شعلة النّار .